يديعوت:كيف يتم إدارة أزمة الكهرباء في قطاع غزة ؟

يونيو 18, 2017

يديعوت:كيف يتم إدارة أزمة الكهرباء في قطاع غزة ؟

كيف يتم إدارة أزمة الكهرباء في قطاع غزة ؟

نقلا عن  أليكس فيشمان – يديعوت

لم يجف بعد حبر قرار الكابينت تقليص تزويد الكهرباء لقطاع غزة، حتى بدأت من وراء الكواليس مساعي التوصل إلى حل، من خلال تدخل عدة دول منها الدول التي لم تحلم “اسرائيل” بأنها قد تتدخل بما يحدث في القطاع. وفي الأجهزة الأمنية والعسكرية هناك رضى من المناورة التي فيها الكثير من الرهان والنجاح في نفس الوقت.

وبالتوازي، من أجل إضافة المزيد من رافعات الضغط التي تفتح عدة جيوب أخرى، تقول الأجهزة العسكرية بكل جرأة إنه إذا لم يتم حل مشكلة الطاقة المتصاعدة في القطاع فستنشب حرب في الصيف القريب. بالإضافة إلى تهديد حماس بأن طبول الحرب هي دعوة لأرباب المال الذين تعهدوا بإعمار القطاع بعد حرب غزة2014 واختفوا: يجب عليكم ايجاد المال وإلا فأنتم المسؤولين ليس فقط عن الكارثة الانسانية، بل أيضا عن سفك الدماء.

في اللقاءات التي تمت في الأشهر الأخيرة مع رئيس السلطة الفلسطينية، والتي وصلت إلى ذروتها في اللقاء بين وزير المالية موشيه كحلون ورئيس الحكومة الفلسطيني رامي الحمد الله تبين أن السلطة قد طلبت التوقف تماما عن دفع ثمن الكهرباء التي تزودها  “اسرائيل” للقطاع والتي تبلغ قيمتها 40 مليون شيكل. هذه الخطوة السياسية جاءت بمبادرة من أبو مازن الذي يريد استغلال ضعف حماس الاستراتيجي كي يأخذ منها ما تعهدت به في اتفاق المصالحة بين حماس وفتح في العام 2014، “اتفاق الشاطئ”، حيث تم الاتفاق فيه على أن تقوم السلطة بوضع رجالها في المعابر الحدودية وأن تقوم حماس بإعطاء السلطة في رام الله المسؤولية عن الشؤون الاجتماعية في القطاع. ولم يلتزم أي طرف بما تم الاتفاق عليه، فقرر أبو مازن الآن أنه حان الوقت إلى الذهاب حتى النهاية مع حماس واخضاعها. وقد بدأت السلطة بفرض العقوبات الاقتصادية على القطاع، بدءً بتقليص 30 في المئة من الرواتب ومرورا بوقف دفع ثمن الكهرباء للقطاع. أو كما قال رئيس الأجهزة الامنية الفلسطينية ماجد فرج: “يجب أن لا تعتقد حماس بأن السلطة ستقوم بتمويل ثروتها”، وكان يقصد الطريقة التي قامت حماس فيها بإلقاء السلطة خارج القطاع قبل عشر سنوات.

إن خطوة أبو مازن أحادية الجانب أدخلت “اسرائيل” إلى الشرك. فمن جهة “اسرائيل” لا تريد التدخل بين السلطة وحماس وأن تحسم لصالح حماس. ومن جهة أخرى، تفاقم الازمة الانسانية لا يوجد الآن في خطة عمل الحكومة الاسرائيلية التي تفعل كل شيء من أجل عبور الصيف بسلام حتى يتم استكمال بناء العائق حول قطاع غزة. لذلك، باشر منسق الأعمال في المناطق يوآف مردخاي المفاوضات مع السلطة الفلسطينية في محاولة لإقناعها بالنزول عن الشجرة. “اسرائيل” تقوم بخصم رسوم المياه والكهرباء من أموال الضرائب التي تجبيها لصالح السلطة، والخدمات الصحية التي تقدم للقطاع في المستشفيات الاسرائيلية. السلطة الفلسطينية أرادت التوقف تماماً عن دفع ثمن كهرباء القطاع، لكن في نهاية المطاف بدأ يتشكل حل وسط: “اسرائيل” ستأخذ من أموال السلطة فقط 15 مليون شيكل شهرياً من أجل الكهرباء. والأرقام تعني أن الكهرباء ستتوفر بساعة أقل في القطاع. الفرق هو بين أربع ساعات من الكهرباء في اليوم مثلما هو الوضع الآن، وبين ثلاث ساعات من الكهرباء يوميا مستقبلا.

في ظل غياب سياسة تجاه الموضوع الفلسطيني بشكل عام وغزة بشكل خاص، تلتصق “اسرائيل” بالوضع الراهن الذي يقدس العزلة بين غزة والسلطة. هذه العزلة تخدم الادعاء الاسرائيلي بأن السلطة الفلسطينية لا تمثل كل المجتمع الفلسطيني، لذلك فإن التوصل إلى اتفاق معها لا يمكنه أن يشكل أساسا للاتفاق النهائي. بكلمات أخرى: “اسرائيل” لا تريد فعليا توصل السلطة الفلسطينية إلى تفاهمات مع حماس لأن هذا الأمر سيضر بالعزل بين الضفة وغزة. إن “اسرائيل” راضية جداً عن الضغط الذي تستخدمه السلطة على القطاع وتصور أبو مازن كمن يقوم بتعذيب أبناء شعبه. ومن جهة أخرى، الأزمة الإنسانية في غزة لن تزيد الضرر على صورة “اسرائيل” فقط، بل أيضا قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية أخرى مع حماس. لذلك فإن الإجابة الاسرائيلية على الأزمة الإنسانية الحالية هي محاولة القفز عن السلطة الفلسطينية من خلال جهة أجنبية توفر ثمن الكهرباء وتعيد الأزمة الإنسانية في القطاع إلى حجمها السابق.

لقد تواصل منسق شؤون المناطق في الأسابيع الاخيرة بشكل مباشر مع الدول المانحة، إذا لم تكن أموال من السلطة فإن “اسرائيل” لن تقوم بدفع ثمن الكهرباء، وقال لبعض ممثلي الدول الأجنبية في “اسرائيل” في المحادثات الهاتفية ما لم يستطع كتابته رسميا. وكانت الفكرة الاساسية هي: افتحوا جيوبكم.

الجواب الذي حصل عليه من الدول العربية والغربية التي توجه إليها كان مخيبا للآمال. إن استثمار الأموال في المنطقة التي تديرها حماس، التي اعتبرها رئيس الولايات المتحدة منظمة إرهابية، ليس أمراً يبعث على التشجيع. لقد كان واضحاً لكل من لهم صلة بالقضية أنه توجد هنا قنبلة موقوتة. في الأيام العادية كان يمكن الاعتماد على أصدقائنا في قطر من أجل حل المشكلة. إلا أنه منذ زيارة ترامب في السعودية وعلى خلفية الأزمة مع العالم العربي السني، تراجعت قطر ووقفت جانبا. سفير قطر في قطاع غزة، محمد العمادي، عاد إلى البيت قبل ثلاثة أشهر، وليس من الواضح متى سيعود. شيك قطر الصغير الذي يمكنه إغلاق الزوايا غير موجود، وحتى الآن ما زالت قطر هي القناة السرية للتواصل مع حماس، لكن في موضوع الأموال هناك جمود.

مقابل تراجع قطر حاولت حماس في هذا الأسبوع فتح بوابة مصر من جديد، في يوم الثلاثاء عاد رئيس حماس يحيى السنوار من زيارة لعدة أيام في مصر، وقد كان هدف الزيارة هو التوصل إلى اتفاق مع مصر حول فتح معبر رفح وزيادة كمية الكهرباء المزودة من مصر للقطاع، لكنه عاد مع نتائج قليلة جداً، صحيح أن مصر لم تقلص كمية الكهرباء المزودة للقطاع، لكنهم لم يزيدوها أيضا، بل قاموا بخطوة عكسية وأعلنوا عن وجود عمليات صيانة لخطوط الكهرباء في سيناء، الأمر الذي قطع بشكل مؤقت وصول الكهرباء من مصر إلى قطاع غزة، ليس من الواضح ما الذي تم الاتفاق عليه حول معبر رفح، لكن لا يبدو أن مصر قد تعهدت بفتحه. التعهد الوحيد الذي قدموه للسنوار كان فتح معبر رفح في عيد الفطر، ومصر من ناحيتها عادت وكررت طلبها الدائم من حماس، وهو الطلب القائم منذ سنتين والذي يواجه الرفض، وهو تسليم 17 مطلوباً من حركة الإخوان المسلمين والابلاغ عن كل حركة في الانفاق والمساعدة في الصراع ضد داعش في سيناء ومنع تهريب السلاح إلى القطاع. وقد تم تسريب كل هذه الطلبات إلى الصحيفة اللندنية “الشرق الأوسط” من أجل وضع السنوار وحكومته الجديدة أمام التحدي.

خلال زيارته لمصر، التقى السنوار مع محمد دحلان، خصم أبو مازن الأكبر، ومصر هي التي ضغطت على السنوار لإجراء اللقاء من أجل فحص إمكانية عودة دحلان إلى القطاع والاستعداد لوراثة أبو مازن. السنوار يعتبر دحلان واشيا وخائبا، ويتهمه بمساعدة “اسرائيل” على قتل رئيس الذراع العسكري في حماس، صلاح شحادة، في 2002. ورغم ذلك وافق على الالتقاء مع دحلان من أجل وضع الإصبع في عين أبو مازن، ويمكن القول إن هذا سيزيد من العقوبات الاقتصادية المفروضة من رام الله على غزة.

في يوم الثلاثاء الماضي بدأت “اسرائيل” وحماس أيضا – بدون تنسيق لكن بشكل متواز – بحملة لتهدئة الأجواء. رئيس الأمن في حماس توفيق أبو نعيم – الصديق المقرب من السنوار والذي كان معه في نفس الزنزانة في سجن هداريم مدة 14 سنة – خرج إلى جولة علنية على طول الحدود المصرية،  ويبدو أن هدف الجولة كان إعطاء إشارة للداخل بأن الأمور مع مصر جيدة وأن هناك تعاون. وبالضبط في نفس الوقت، في الجانب الآخر من الحدود، خرج رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى جولة في قيادة المنطقة الجنوبية من أجل رؤية الوضع الأمني على ضوء الأزمة الإنسانية الآخذة في التصاعد، وفعليا كانت رسالته: نحن لا نريد الحرب، هذه أزمة فلسطينية داخلية مؤقتة، والأمر الذي لم يتحدث عنه بشكل علني هو أن التقديرات في “اسرائيل” تقول إن الأزمة تحت السيطرة وليس هناك إشارات على بداية مواجهة عسكرية من قبل حماس التي تخشى من أن تكون هذه هي المعركة الأخيرة لها. إضافة إلى ذلك، حسب تقديرات أجهزة الاستخبارات إذا تصرفت “اسرائيل” بشكل مدروس ولم تتحرش فإن حفر العائق حول القطاع سيتم بدون أحداث استثنائية عنيفة.

في يوم الثلاثاء الماضي أصدر المتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي إعلانا يقول لحماس إن كل شيء كالعادة. العقيد عوديد بسيوك، تم تعيينه قائداً بدل العقيد أمير أبو العافية الذي سيرفع إلى رتبة جنرال ويصبح مسؤولاً عن قسم التخطيط. ولو كان هناك شعور بإمكانية اندلاع مواجهة عسكرية في الأشهر القريبة القادمة لما تم الآن بالتحديد استبدال قائد اللواء في الجنوب، الذي هو لاعب رئيسي في أي مواجهة مع غزة. وقد وصلت الرسالة لحماس. الأجهزة الأمنية والعسكرية تحاول صب الماء على اللهب الذي اشتعل في “اسرائيل” بسبب التوقعات التي أفادت بأن الحرب ستندلع في الصيف القريب، وهذا خوفا من أن تحقق النبوءة نفسها.

لقد قررت “اسرائيل” السير في مناورة سياسية وهي “السير على شفا الهاوية”: إيصال الأزمة إلى طريق مسدود لدفع جميع الأطراف إلى اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية المالية عن القطاع. لذلك قرر الكابينت الاستجابة لطلب السلطة الفلسطينية زيادة أزمة الكهرباء في القطاع على أمل أن يحرك هذا الأمر الجهات الدولية من أجل العمل. ولكن هنا يوجد رهان: إذا لم تترك خطوة “اسرائيل” أي انطباع على اللاعبين ولم تصل الأموال، فإن التدهور الإنساني في القطاع سيستمر وقد تتضرر صورة “اسرائيل”، إضافة إلى الضرر البيئي بسبب وصول مياه الصرف الصحي إلى البحر وتلويث المياه الجوفية، والأزمة الأمنية أيضا.

شعور رئيس الحكومة ووزير الجيش ورئيس الأركان هو أن الأزمة ما زالت تحت السيطرة، لكن يجب جس النبض كل ساعة وكل يوم. تكفي صور الأطفال في المستشفيات والأولاد والشيوخ بسبب نقص الكهرباء من أجل تغيير الصورة كليا. في أيام الجمعة الماضية قامت حماس بإرسال المتظاهرين إلى حدود القطاع من أجل القول لإسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية إن الوضع في غزة قابل للانفجار، وقد تسببت هذه المظاهرات بقتيلين بنار الجيش الاسرائيلي. وقد تنتهي مظاهرة من هذه المظاهرات بعدد كبير من المصابين، الأمر الذي قد يسبب اشتعال المنطقة.

الأزمة و”الِشبر”

أزمة الكهرباء الحالية في غزة لم تولد من لا شيء. فهي محطة أخرى في سلسلة أزمات الطاقة في القطاع التي توجد منذ سنوات، والتي تلعب فيها حكومة “اسرائيل” دوراً مركزياً من خلال التعرج وتبذير عشرات ملايين الشواقل. ويكشف تقرير مراقب الدولة من آيار هذا العام أنه في كانون الأول 2015 قررت “اسرائيل” مضاعفة كمية المياه المزودة للقطاع. وقد استخدمت الحكومة الضغط على سلطة المياه من اجل استكمال تمديد أنبوب المياه الجديد، وتم العمل على مدار الساعة، بما في ذلك في الأعياد، حيث تم إعطاء “الشبر” عشية عيد الغفران في 2016 لمنسق شؤون المناطق. إلا أنه منذ ذلك الحين لم تصل نقطة واحدة من المياه إلى القطاع من هذا الأنبوب الذي كلف “اسرائيل” الملايين. لقد ذهبت الاموال هباء، وهذا ينطبق أيضا على خطوط الكهرباء التي بدأ العمل بها في 2005 ولم تنته حتى الآن. في كانون الأول 2015 قرر المستوى السياسي قبول توصية منسق شؤون المناطق وزيادة كمية الكهرباء للقطاع التي هي الشرط الاساسي لإعماره. وكان من المفروض أن ينفذ القرار على الفور، بما في ذلك ايصال خط كهرباء إلى معهد تكرير مياه المجاري في القطاع. وهذا لم يحدث أيضا. وعندما سأل مراقب الدولة عن سبب عدم تنفيذ قرار الحكومة، رد مجلس الأمن القومي قائلا: لم نعرف أن وزارة الجيش لم تنفذ القرار. الحديث يدور عن موقع تكرير حديث أقامه البنك الدولي والدول المانحة بمبلغ 75 مليون دولار، وكان من المفروض أن يحل مشكلة مياه المجاري المتدفقة من غزة إلى شواطئ “اسرائيل”. إلا أن هذا الموقع لم يعمل لأنه لا يوجد في وزارة الجيش من يمول خط الكهرباء إليه.

في الوقت الحالي تحاول “اسرائيل” كسب الوقت. وقد قرر الكابينت في بداية الاسبوع أن تقليص كمية الكهرباء للقطاع سيتم على الفور، وإغلاق زر الكهرباء بشكل فوري سيتم فقط عندما تكون شركة الكهرباء مستعدة لذلك. شركة الكهرباء بدأت بالاستعداد، لكن التنفيذ لم يتم بسبب الحاجة إلى “الاستعداد البيروقراطي”، وهو اسم كود في “اسرائيل” لوضع متغير، إذا رغبوا، يتم إنهاء الاستعداد خلال ساعة. وإذا رغبوا أيضا يأخذ الأمر بضعة أيام. وفي الوقت الحالي هم يكسبون الوقت.

المرحلة القادمة، اذا لم يتم إيجاد صيغة لحل أزمة الطاقة الحالية في القطاع، ستكون مرحلة إنزال الزر. وهنا يزداد مستوى خطر سياسة السير على شفا الهاوية، ولكن لعبة البوكر ستستمر حتى يضعف أحد الأطراف وإما أن  تندلع الحرب.